ابن عربي

107

شجون المسجون وفنون المفتون

كلّ ما قطعك به ، فجعله وصلة لك . زهد : الشّوق إلى الأشباح شوق إلى الفاني ، والعقل منزّه عن ذلك لإيثاره الباقي وما لا بقاء له ، [ 28 / آ ] فلا فرق بين كثيره وقليله ، ومن خداع النّفس أنها توهم الشّوق إلى الأرواح بواسطة الأشباح ، فيقال لها : إنّ من الجائز أن يكون المشتاق إليه قد مات ، أو انقلب عدوّا ، أو هو حين الاجتماع به شيطان ، أو كافر لقوله تعالى « 1 » : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، فكيف يجوز الشّوق إلى من لم يتحقّق من حاله سوى صورة الجسم مع جواز عدمه ، فلم يبق سوى ظنّ ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً « 2 » ، وما لا بدّ من مفارقته فلا فائدة في مواصلته إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ « 3 » ، وإذا كان كلّ ما يفعله العبد مع غيره ، أو يفعله غيره معه من خير أو شرّ ، ليس له أثر في الآخرة إلّا في فاعله ، ولا يناله خير إلّا من عمله ، لقوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها « 4 » ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 5 » . فما الحزم « 6 » أن تعمل لسواك ، ولا أن تشتاق إلّا إلى إيّاك . وصيّة : اجعل جسدك بيتك ، وقلبك خلوة في البيت ، واجتهد أن لا تبرح في خلوتك منتظرا لمحبوبك ، فلعلّه أن يزورك فيجدك حاضرا ، والمكان خاليا .

--> ( 1 ) سورة لقمان : 34 . ( 2 ) سورة النجم : 28 . ( 3 ) سورة التّغابن : 15 . ( 4 ) سورة فصلت : 46 ، وسورة الجاثية : 15 . ( 5 ) سورة النجم : 39 . ( 6 ) في م : « ما الحزم » .